منهـاج التشـريـع فـي عصـر الـرسول

بعد اهتمام التشريع المكي بإصلاح العقيدة ، وتهذيب ألخلاق ، وتخليص النفوس من رواسب الوثنية والجاهلية ، جاء التشريع المدني ليركز على إصلاح الحياة العملية وتنظيمها ، وكان في ذلك تشريعاً واقعياً يتفق مع الحوادث والوقائع ، ويتجنب الفرض والاحتمال والتوقع ، فيضع الحل ، ويبين الحكم حين الحاجة في زمن الوقوع والحصول .

فكان حال الصحابة رضوان الله عليهم في حياة الرسول ، كلما وقعت حادثة تتطلب حكماً وتوضيحاً ، لجؤوا إلى رسول الله سائلين عن البيان والحكم، فإذا لم يجد الرسول بياناً وحكماً لتلك الحادثة انتظر نزول الوحي بالقرآن جواباً عن سؤالهم ، وفي بعض الأحيان يلهم الرسول الحكم معنى لا لفظاً، فيعبر عنه بقوله أو سنته ، وإذا لم يسعفه الوحي بالحكم ، كان يجتهد الرسول لإصدار الحكم ، وكان اجتهاده صلوات الله عليه حسب أسرار الشريعة الإسلامية وأصولها وقواعدها ، إضافة إلى مشاورة أصحابه ، فإذا أصاب الحق في اجتهاده أقره الله سبحانه وتعالى عليه ، وإذا جانب الصواب نبهه الوحي إلى ذلك ، وربما عاتبه ، كما في أسرى بدر ، وإذنه للمختلفين في غزوة تبوك .

ولا بد من الإشارة أن النبي لم يكن يعلم الناس الفقه ، كما يعلمه الفقهاء لطلابهم ولغيرهم من الناس ، عن طريق التأليف ، وذكر مسائل الفقه وأقسامه وكتبه ، ومسائل كل باب وضوابطه وشروطه وأركانه وتفريعاته ومبطلاته وغير ذلك ، بل كان يشرع الرسول التشريعات أو يبينها أو يفصلها بأقواله وأفعاله ، والصحابة يتلقون ، ويفهمون مراد الرسول من ذلك الفعل أو القول أنه للوجوب أو الندب ، أو نهي للتحريم أو الكراهة ، بحسب الظروف والحالة التي وردت فيها الآية أو الحديث ، والقرائن المصاحبة لتلك الواقعة أو الحادثة ، فالرسول لم يترك لأصحابه فقهاً مدوناً ، ولا مصنفات في القواعد والنظريات الفقهية ، بل ترك جملة من الأصول والقواعد الكلية ، والأحكام العامة والجزئية المبثوثة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

أوجه تشريع الأحكام في عصر الرسول

لقد كان تشريع الأحكام في هذا العصر يتم بأحد الوجهين التاليين :

الأول : تقع حوادث ووقائع تقتضي حكماً من الشارع ، أو يعرض للمسلمين أمور ومسائل ، توجب عليهم سؤال النبي عن حكمها ، فيجيبهم النبي عن ذلك وحياً أو اجتهاداً .

فما نزل إجابة عن سؤال أحد المسلمين أو من غيرهم ، صدر بكلمة يسألونك ، أو بكلمة يستفتونك ، وقد وردت كلمة ( يسألونك ) في القرآن الكريم خمس عشرة مرة ، ومنها

[ سورة البقرة آية 222 ]

وقد يكون السؤال من غير المسلمين ، كما في

[ سورة الإسراء آية 85 ]

ووردت كلمة ( يستفتونك ) في القرآن الكريم مرتين في :

[ سورة النساء آية 127 ]

[ سورة النساء آية 176 ]

وأما ما نزل بياناً لحادثة أو واقعة وقعت فتفوق الحصر ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر : ما نزل في حادثة الإفك ، وما نزل في الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك ، والمرأة المجادلة - خولة بنت ثعلبة - للرسول ظهار زوجها .

الثاني : ورود الأحكام غير المسبوقة بسؤال ولا حادثة معينة ، ولكن الشارع الحكيم يرى أن الأوان قد آن لتشريع مثل هذه الأحكام ؛ لضرورتها وأهميتها للمجتمع الإسلامي المراد تكوينه في المدينة ، ولأن الشريعة الإسلامية لم تأت فقط لسد حاجات قائمة وإعطاء الحلول لوقائع حاصلة فعلاً ، وإنما جاءت لإيجاد مجتمع مثالي فعلاً ، قائم على أصول وقواعد ثابتة راسخة ، يدوم ذلك المجتمع ويستمر ، مستمداً تلك الديمومة والاستمرارية من أصول الشريعة وقواعدها الدائمة .

ومثال هذا الوجه ، بيان أحكام الأسرة ، وبعض العقوبات ، وأحكام العبادات، وأحكام المعاملات ، التي جاءت كلها ابتداءً ولم تأت جواباً ، وبعد استقراء النصوص - القرآن والسنة - وتتبعها تبين أن الوجه الأول من أوجه تشريع الأحكام في عصر الرسول أكثر من الوجه الثاني .

جملة الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية

يمكن إجمال أحكام الكتاب والسنة في الأقسام التالية :

القسم الأول : العقائد :

هذا القسم يشمل الإيمان بالله تعالى ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم ألخر، والقضاء والقدر .

وهذا القسم هو المقصود أصالة للشارع ، وهو غاية الغايات « وقبلة المأمورات والمنهيات » .

القسم الثاني : الأحكام العملية :

يشمل هذا القسم المتعلق بما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات على العبادات ، والمعاملات ، والمناكحات ، والعقوبات ، وتندرج تحت هذا القسم الأنواع التالية :

الأحكام المتعلقة بالعبادات ، من صلاة وصوم وزكاة ......... إلخ ، وما يرتبط بذلك من أركان وشروط وواجبات ومستحبات ومكروهات ومبطلات ، ويقصد بها تنظيم علاقة المخلوق بألخالق سبحانه وتعالى ، وعدد آياتها في القرآن نحو مئة وأربعين آية .

الأحكام المتعلقة بالمعاملات ، أي معاملة الأفراد ومبادلاتهم ومعاوضاتهم المالية ، من بيع وشراء ورهن وإجارة وما شابهه ، ويقصد بها تنظيم علاقة الأفراد المالية ، وحفظ حقوقهم ، وعدد آياتها في القرآن الكريم نحو سبعين آية .

الأحكام المتعلقة بالمناكحات ، من خطبة ، ونكاح ، ومهر ، وخلع ، ورضاع ، ونفقة وطلاق ، وإيلاء ، وعدة ، وميراث ، بمعنى آخر كل الأحكام التي تتعلق بالأسرة من أول بدء تكوينها ، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين ، والأقارب بعضهم ببعض ، ويسمي البعض هذه الأحكام « الأحوال الشخصية »، وعدد آياتها في القرآن نحو سبعين آية .

الأحكام المتعلقة بالعقوبات ، وهي المتعلقة بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحقه عليها من عقوبة ، وتتناول الحدود والقصاص والتعزيرات والديات ، ويقصد بها حفظ حياة الناس ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وعقولهم ، ودينهم ، وتحديد علاقة الجاني بالمجني عليه وبالأمة والمجتمع ، وعدد آياتها في القرآن الكريم نحو ثلاثين آية .

الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ، والقضاء ، وسياسة الوالي مع الرعية ، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم ، والأنظمة الحاكمة ، من ألخلافة والحكم والسلم والحرب والغنائم والفيء ، وغير ذلك ، وتسمى هذه الأحكام « الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية » ، ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب ، وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، وعدد آياتها في القرآن الكريم نحو ستين آية .

وهذا القسم - قسم الأحكام العملية - هو المقصود تبعاً للشارع ، وهو وسيلة للقسم الأول وموصل إليه .

القسم الثالث : الأحكام ألخلقية :

يتعلق هذا القسم بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الآداب والفضائل ، والشمائل ، وما يجب عليه أن يتخلى عنه من المساوئ والرذائل ، ومن ذلك آداب الطعام والشراب ، وحقوق الجيران ، والتزام الصدق والأمانة والوفاء ، والصبر على الأذى ، والتزام آداب اللباس ، وآداب السلام ، واجتناب الكذب ، وألخيانة والسب والشتم والغيبة ، ......... ألخ .

وهذا القسم - الأحكام ألخلقية - مكمل للقسم الأول والثاني ومتمم لهما .

مصادر الأحكام في عصر الرسول

المقصود بمصادر الفقه أدلته الكلية وقواعده التي يقوم عليها ، وقد برز في هذا العصر مصدران هما :

القرآن الكريم .

السنة النبوية .

المصدر الأول : القرآن الكريم

القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ، المنزل على محمد ، بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام ، المنقول إلينا بالتواتر ، المعجز بنفسه ، المتعبد بتلاوته ، المبدوء بسورة الفاتحة ، المختتم بسورة الناس .

ومن أهم خصائص القرآن الكريم : أن لفظ القرآن ومعناه من عند الله تعالى ، وليس للرسول فيه سوى التبليغ ، وعلى ذلك فالحديث القدسي والنبوي لا يعتبران من القرآن ، كما أن جميع ألفاظ القرآن الكريم باللغة العربية ، فليس فيه لفظ أعجمي ، والقرآن الكريم منقول إلينا نقلاً متواتراً عن النبي من قبل أقوام لا يحصون ، ولا يتصور تواطؤهم على الكذب ، والقرآن الكريم معجز بنظمه ، فلا يستطيع الإنس ولا الجن الإتيان بمثله ، أو بسورة من مثله ، وأوجه إعجاز القرآن الكريم هي : الإعجاز اللغوي ، والعلمي ، والتشريعي ، والغيبي .

النسخ في القرآن هو : رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه بالفترة الزمنية، وقد وقع النسخ في هذا الدور من التشريع لثلاثة أسباب هي :

رعاية للمصلحة ، ورفع الحرج والضيق عن المكلفين ، والنظر إلى أحوالهم ، فمن مقاصد الشارع الحكيم تحقيق مصالح العباد ، ومصالح الناس قد تتغير بتغير أحوالهم ، والحُكم قد يشرع لتحقيق مصالح اقتضتها أسباب ، فإذا زالت هذه الأسباب فلا مصلحة في بقاء الحكم ، ومن أمثلة ذلك عندما وفدت الوفود على المدنية أيام عيد الأضحى ، نهى الرسول المسلمين عن ادخار لحوم الأضاحي ؛ حتى يوسع على الوفود ، فلما رحلوا وأصبح المسلمون في سعة أباح لهم الإدخار .

التدرج في تشريع الأحكام ، وعدم مفاجأة العباد ومباغتتهم بما يشق عليهم .

الابتلاء والامتحان ، ولتمييز من يستجيب للشارع ممن يستنكف عن إرادة الشارع .

القرآن الكريم قاعدة الإسلام ، وكلية الشريعة ، وقطب الأحكام ، وعمدة الملة ، وينبوع الحكمة ، وهو المادة الأولى للفقه في الدين ، والمسلمون متفقون في الجملة على الاستدلال بالقرآن الكريم على العقائد والأحكام .

باستقراء آيات القرآن الكريم يتضح أن القرآن قد تنوعت أساليبه في طلب الفعل ، وطلب الكف عنه ، وفي الإباحة « أي التخيير بين طلب الفعل وطلب الترك » ، فمن أساليب القرآن الكريم في طلب الفعل على سبيل المثال : صريح الأمر ، وألخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين ، وألخبار بأن الفعل على الناس عامة ، أو على طائفة خاصة ، وألخبار بأن الفعل حق لطائفة ، ووصف الفعل أنه محبوب لله تعالى ، أو ذكر الفعل مقروناً بوعد إلى غير ذلك، وعن أساليب القرآن أيضاً في طلب ترك الفعل والكف عنه : صيغة التحريم ، أو عدم الحل ، أو ذكر الفعل باستحقاق الإثم ، أو مقروناً بوعيد ، أو وصف الفعل بأنه شر ، أو نفي البر عن الفعل ، ونحو ذلك ، ومن أساليب القرآن الكريم في الإباحة : نفي الإثم أو الجناح ، أو لفظ الحل مسنداً إلى الفعل أو متعلقاً به، والحكمة من تنويع القرآن في أساليبه في الأمر والنهي والإباحة أن من طبيعة البشر الملل والسآمة من العبارة الواحدة المتكررة ، وعدم حصول التأثير المطلوب من ذلك ، فلو قال الشارع في كل مسألة وفي كل حكم شرعي، هذا واجب ، وهذا حرام ، وهذا مكروه ، وهذا مندوب ، وهذا مباح ، لتكرر اللفظ والأسلوب ، ولفقدت الفصاحة والبلاغة المؤثرة ، والجزالة الباعثة على الامتثال، فلذلك نوع الشارع الحكيم في أساليب القرآن الكريم في تشريعه للأحكام الواردة فيه .

منهج القرآن الكريم في بيان الأحكام

جاء القرآن الكريم منهجاً متميزاً في بيان الأحكام وتوضيحها ، لأنه كلام الله تعالى أشرف كلام ، وأتمه بياناً وحسناً ، والنقاط التالية تؤكد ذلك وتوضحه: 

جاء بيان القرآن الكريم للأحكام - في ذكر الأوامر والنواهي - مقترناً بمعاني الترغيب والترهيب ، والتحبيب والتكريه ، جاء متنوع الأساليب ، متعدد المعاني ، مُوْجد في نفوس المكلفين - البالغين العاقلين - الهيبة والاحترام والاطمئنان لأحكام الله تعالى ، موافقة للفطرة الإنسانية ، وباعثة على الارتياح، والامتثال ، وسرعة التطبيق ، مذكرة بالمصلحة العاجلة والآجلة في الدنيا وألخرة ، مرتبة الثواب على امتثال الواجب ، والعقاب على ارتكاب المحظور، فتغرس المعرفة في العقل ، والقناعة في الوجدان ، والتطبيق في السلوك.

نصوص القرآن من جهة دلالتها على ما تضمنته من أحكام إما قطعية الدلالة، أي ما دل على معنى واحد ، متعين فهمه منه ، ولا يحتمل معنى آخر ، ولا مجال لصرفه عن هذا المعنى إلى غيره ،

[ سورة البقرة آية 196 ]

 فالآية نص في أن من لم يجد الهدي في الحج فعليه صيام عشرة أيام ، لا تزيد ولا تنقص، دلالة قطعية .

وإما أن تكون دلالة آيات القرآن الكريم ظنية ، وهو ما دل على معنى ظاهر راجح، ولكن يحتمل أن يراد به معنى آخر ، أو يصرف هذا المعنى إلى معنى آخر مرجوح،

[ سورة البقرة آية 228 ]

فلفظ القرء يحتمل الحيض والطهر .

وفي هذا النهج حث للفكر وإعمال الذهن ، والاجتهاد في استنباط الأحكام ، والتعرف على مراد الشارع ، وسعة في الحقائق والمفاهيم والأحكام ، وتوسعة على الأمة .

جاءت آيات الأحكام مبثوثة ومتفرقة في ثنايا آيات العقيدة وألخلاق وقصص الأمم السابقة ، فالله سبحانه وتعالى مزج بين الأمر والنهي ، والحديث عن العقيدة والفقه ، وألخبار عن ألخلاق وقصص الأنبياء ، ليكون القرآن الكريم موسوعة متكاملة تأخذ بأيدي البشرية إلى صلاحهم وسعادتهم ، ولهذا النهج في بيان الأحكام إيحاء خاص ومقصد عظيم ، وهو أن جميع ما في القرآن الكريم وإن اختلفت أماكنه ، وتعددت سوره وأحكامه ، فهو وحدة عامة ، لا يصح تفريقه في العمل ، ولا في ألخذ ببعضه دون بعض ، كما أن هذا النهج يدعو إلى فهم الأحكام فهماً جيداً ، وملاحظة ما يتصل بها ، وما جاء قبلها وبعدها والحكمة من ذلك ، كما أن في ذلك تشويقاً لقارئ القرآن ، فلا يسأم ولا يمل قراءته وترداده .

أسلوب القرآن الكريم في تشريع الأشياء التي لا تتغير مصالحها هو التفصيل، كالعبادات ، وما يتعلق بأحكام الأسرة من زواج وطلاق وميراث وعدة، وكما حدد العقوبات لبعض الجرائم التي لا تتغير مفسدتها بتغير الزمان والمكان، كالقتل والزنا ، أما المعاملات التي تتغير وتتبدل مصالحها ومنافعها بحسب تبدل وتغير أحوال الناس وأعرافهم وعاداتهم ، فقد جاءت فيها نصوص القرآن الكريم على شكل قواعد عامة ، وأصول كلية ، حتى تحقق مصالح الناس، وتتماشى مع ما يستجد لهم من مناهج وأساليب تيسيراً عليهم ، ورفعاً للحرج عنهم .

جاءت أغلب أحكام القرآن بالاستقراء والتتبع مشيرة إلى مقاصد الشريعة، وحكم التشريع ، وغايات الشارع وحكمه ، سواء العامة أو ألخاصة أو الجزئية، كما تربط الحكم بعلته وسببه .

المصدر الثاني : السنة النبوية

السنة في الاصطلاح : ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير.

وفي اصطلاح الفقهاء : تطلق السنة على ما يرادف المندوب ، والمستحب، والنفل ، والتطوع ، والإحسان ، وقيل إن السنة : هي ما واظب عليه النبي ، كالوتر ، ورواتب الصلوات المفروضة .

تقسم السنة - حسب اصطلاح الأصوليين - إلى ثلاثة أقسام :

السنة القولية : وهي الأحاديث التي قالها النبي في مختلف الأغراض والمناسبات .

السنة الفعلية : وهي أفعاله مثل أدائه الصلوات ألخمس .

السنة التقريرية : هي ما أقره الرسول مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره ، أو بموافقته وإظهار استحسانه. 

تأتي السنة في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم في التشريع ، فالقرآن الكريم كلام رب العزة ، متعبد بتلاوته ، معجز ببلاغته ، قطعي الثبوت لتواتره، بخلاف السنة ، التي تأتي مكملة ومتممة للقرآن ، فالسنة النبوية - صحيحة الثبوت - لا تأتي مطلقاً مخالفة للقرآن ، بل تأتي موافقة ومفسرة ومبينة له.

وهناك الكثير من الأحكام التي وردت في السنة النبوية وليست في القرآن الكريم، وَخَلُصَ إلى أن أصول الأحكام التي تدور عليها السنة نحو خمسمائة حديث، وتفصيلها وفرشها وتوضيحها في نحو أربعة آلاف حديث.

حجية السنة ومنزلتها في التشريع

أجمع المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير على جهة التشريع والامتثال ، وَنُقل إلينا بسند صحيح ، سواء أكان متواتراً « المتواتر : ما رواه جمع يمتنع تواطؤهم واتفاقهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه » أم آحاداً « الآحاد : ما عدا المتواتر ، أي ما رواه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب » ، فإنه يكون حجة على المسلمين ، ومصدراً من مصادر التشريع ، ومرجعاً للمجتهدين في استنباط الأحكام الشرعية ، والأدلة على حجية السنة هي:

القرآن الكريم :

فإن الله تعالى في نصوص كثيرة قرن بين الأمر بطاعته وطاعة رسوله ، وأوجب على المسلمين أن لا يصدروا حكماً شرعياً إلا بعد الرجوع إلى كتاب الله تعالى ورسوله ، وأنه لا يستحق الإيمان إلا من رضي بحكم الرسول وقضائه فيما شجر بين المسلمين ، وسلم تسليماً ، ومن ذلك

[ سورة النساء آية 65 ]

[ سورة آل عمران آية 32 ]

السنة النبوية :

أوجب الرسول طاعته على المسلمين في أحاديث كثيرة ، منها :

قوله : عليكم بسنتي وسنة ألخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ [ رواه أبو داود والترمذي ] .

إجماع الصحابة :

اتفق الصحابة في حياة النبي وبعد وفاته على الرجوع إلى السنة والاحتجاج بها ، فكانوا في حياته يمضون أحكامه ، ويمتثلون لأوامره ونواهيه، وتحليله وتحريمه ، وحكمه وقضائه ، ولا يفرقون في وجوب الاتباع والاقتداء بين ما حكم به القرآن الكريم ، وما حكم به النبي .

النظر والعقل :

ذلك أن القرآن الكريم فرض الله تعالى فيه على الناس عدة فرائض مجملة غير مبينة ، وأحكاماً عامة غير مخصصة ، ومطلقة غير مقيدة ، فلم يُفصل القرآن تلك الأحكام ، ولم يبين كيفية أدائها ، ولا شرائطها ، ولا أوقاتها ومقاديرها، فجاءت السنة القولية والفعلية والتقريرية مبينة كل ذلك ، وموضحة له ، والدليل على مهمة النبي

[ سورة النحل آية 44 ]

فلو لم تكن السنة البيانية حجة على المسلمين وبرهاناً يجب اتباعه ، لما أمكن تنفيذ فرائض القرآن وأحكام الله تعالى ، ولبقيت نصوص القرآن وأحكامه يكتنفها الغموض والإجمال والإبهام ، فعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهية .