الــحـضــانــة

تعريـف الحضانـة

الحضانة لغة : التربية والرعاية، مأخوذة من الحضن، وهو الجَنْب ؛ لأن المربي يضم الطفل إلى حضنه ؛ رعاية له ومودة، وحنانًا عليه، نقول : حضن الصبي حضنا وحضانة بالكسر: أي جعله في حضنه وربّاه ورعاه .

واصطلاحاً : حفظ صغير عمّا يضرّه ، وتربيته ، والقيام بمصالحه العامّة ، ومصالحة البدنيّة .

ومصالح الصغير البدنية : طعامه، من إرضاع ونحوه، والعناية بملبسه وفراشه، وحمله ومباشرة خدمته.

وعرّفت الحضانة أيضاً : هي تحديد الجهة والأفراد الذين يقومون برعاية الطفل وتربيته ، ومسؤوليات هذا الطفل تجاههم ، والطفل في مرحلة الحضانة مخلوق كريم ، يولد على الفطرة السوية، فيحرص الإسلام أشد الحرص على أن ينمو هذا الوليد أكرم النمو وأطيبه ، فلا تنحرف فطرته، ولا تتعقد نفسيته، ولا يتحمل أبداً مسؤولية انحراف الكبار أو ظلمهم وشططهم في الحب والكراهية .

حكـم الحضانـة

الحضانة واجبة فيأثم من تركها إذا وجبت عليه ؛ لأنها إنجاء للمحضون « الصغير » بإذن الله من الهلكة والفساد والضّياع المتحققة بتركها .

والحضانة حق للحاضن فلا يجوز نقلها عنه إلا بإذنه ، كما أنها حق واجب عليه فإذا لزمته أجبر عليها قضاءً إلا لعذر وسبب شرعي .

وحضانة الطفل واجبة يأثم من يتركها ويؤجر مَنْ يقوم بها ؛ لأنه يهلك إن ترك الطفل بدون حضانة ، فيجب حفظه من الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك، والمحضن الطبيعي للطفل هو مع أبويه، وهذه بديهية واضحة، فلا حاجة للخوض في تفصيل أحكامها إنما الذي يهم في البحث هو الحديث عن الحضانة عندما ينحل عقد الأسرة ويصبح الأب في جانب والأم في جانب آخر.

حكمـة مشـروعيـة الحضانـة

إن الحكمة من مشروعية الحضانة ، إنما هي تنظيم المسؤوليات المتعلقة برعاية الصغار ، وتربيتهم ، إذ ربما تفارق الزوجين ، أو اختلفا ، أو تعاسرا فيما يتعلق بالنظر لتربية صغارهما .

فلو ترك الأمر لما ينتهي إليه شقاقهما ، أو لما يقرره المتغلب من الطرفين في الخصومة ، كان في ذلك ظلم كبير للصغار ، وإهدار لمصلحتهم ، وربما كان في ذلك زج بهم في أسباب الشقاء والهلاك .

لذلك كان لا بد من وضع ضوابط تحدد أصناف المسؤولين عن حضانة الصغار ، ورعايتهم ، وتصنفهم حسب الأولوية ، بحيث لا تتأثر مصلحة الصغار ، بأي شقاق ، أو خلاف يقع بين أولياء أمورهم .

الأحـق بالحضانـة

إذا فارق الرجل زوجته ، وكان له منها ولد « ذكر أو أنثى » ، وكان دون سن التمييز ، فإن الأم أحق من الأب بحضانته ، فإن كانت الأم في عصمة الأب مرتبطة بالزوج فالحضانة لهما، وإن لم تكن في عصمته، فالأم أحق بها من غيرها.

أسـباب تقديـم الأم فـي الحضانـة علـى الأب

إن الأم أحق بالحضانة من الأب ، للأسباب التالية :

لوفور شفقتها ، وصبرها على أعباء الرعاية والتربية .

لأنها ألين بحضانة الأطفال ، ورعايتهم ، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من العاطفة والحنو .

دليـل حـق الأم فـي الحضانـة

والدليل على أن الحضانة من حق الأم ، وأن حقها مقدم على حق الأب في ذلك :

ما روي عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله ، جاءته امرأة ، فقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا ، كان بطني له وعاء ، وثديي له سقاء ، وحجري له حواء ، وإن أباه طلقني ، وأراد أن ينزعه مني ، فقال لها رسول الله : أنت أحق به ما لم تنكحي  [ رواه الإمام أحمد وأبو داود ] . حواء : الحواء اسم للمكان الذي يحوي الشيء ويضمه . هذا الإقرار والاعتراف بالحق للأم لا يملك أحد أن ينتزعه منها ، فلقد رأينا شريعة الله تنفذ على عمر بن الخطاب عندما أراد أن يأخذ ابنه عاصما من زوجه أم عاصم بعد أن طلقها ، وذلك على يد أبي بكر حين قال لعمر : « ريحها وشمها ولطفها خير له منك » [ رواه سعيد في سننه ] .

الأحـق بالحضانـة بعـد الأم

الأصل في الحضانة أن تكون للنساء ؛ لأنهن أرفق بالصغير من الرجال وأكثر شفقة عليه ، وأقدر على القيام بمتطلبات الحضانة :

فإذا لم توجد أم الطفل ، أو وجدت ، ولكنها رفضت أن تحضنه ، كان الحق في الحضانة لمن بعد الأم ، وكانت الأفضلية لأم الأم ، لأنها في معنى الأم في العطف والشفقة .

ثم الأب ؛ لأنه أصل النسب ، وفيه شفقة الأبوة . 

ثم أم الأب ؛ لأنها تدلي بعصبة قريبة .

ثم الجد ؛ لأنه في معنى الأب .

ثم أم أب الأب ؛ لأنها بمنزلة الجدة . 

ثم أخت المحضون الشقيقة ؛ لأنها تشاركه في نسبه ، وهي متقدمة في الميراث .

ثم الأخت لأم ؛ لأنها تدلي بالأمومة .

ثم الأخت لأب .

ثم الخالة ؛ لأنها بمنزلة الأم .

 لما روى البراء بن عازب : أن ابنة حمزة بن عبد المطلب اختصم واختلف فيها علي وجعفر وزيد ، فقال علي : أنا أحق بها وهي ابنة عمي ، وقال جعفر : ابنة عمي وخالتها تحتي ، وقال زيد : ابنة أخي ، فقضى بها رسول الله لخالتها ، وقال الخالة بمنزلة الأم [ رواه البخاري ] .

ثم العمة .

ثم خالة أم المحضون .

ثم خالة أبي المحضون .

ثم عمة أبي المحضون .

ثم بنت أخي المحضون .

ثم بنت أخت المحضون .

 ثم الأقرب فالأقرب ، فإن لم يوجد فالقاضي ؛ لأن ولايته عامة ؛ لقوله : والسلطان ولي من لا ولي له [ رواه ابن ماجه وأحمد بن حنبل ] . فإذا تعذرت وامتنعت حضانة من له الحضانة أو لم يقم بواجب الحضانة ، انتقلت إلى من بعده على الترتيب .

الحكمـة فـي تقديـم الإنـاث فـي الحضانـة

والحكمة في هذا التقديم للإناث في حق الحضانة هي ما قلناه في الأم ، فإن الإناث غالباً ما يكن ألين بحضانة الأطفال ، ورعايتهم ، وأصبر على مشاكلهم ، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من الحنو والعاطفة .

شـروط الحاضـن

يشترط في الحاضن شروط منها :

أن يكون مسلماً ، فلا حضانة لكافر ؛ لأن الحضانة ولاية ، وفيها سلطة ولا سلطة لكافر على مسلم ؛ لأنه لا يوثق به ولا يؤمن في أداء الواجب من الحضانة ، ويخشى أن يربيه على الكفر وأن يظلمه .

 

 

[ سورة النساء آية 141 ]

أن يكون عَدْلاً أميناً وثقة ؛ لأن الفاسق لا يتورع عن ظلم المحضون ، كما أنه قد ينشئه على الفسوق .

القدرة على القيام بشؤون المحضون، فلا حضانة لعاجز عنها، كالمسنة « الكبيرة في السن» ، والمريضة.

ألا تكون الأنثى زوجا لأجنبي عن المحضون، فإذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة ، وإن لم يدخل بها الزوج بعد ، أو رضي زوجها أن يدخل الولد داره .

والدليل على ذلك من السنة : قوله : أنت أحق به ما لم تنكحي [ رواه الإمام أحمد وأبو داود ]

لكن يستثنى من ذلك حالتان : 

الحالة الأولى : أن يتراضى والد الطفل مع زوج الأم أن يبقى الولد عند أمه ، فإن ذلك يبقي حقها في الحضانة ، ويسقط حق الجدة .

الحالة الثانية : أن يكون زوج الأم الجديد قريباً للطفل ، ممن له حق حضانته ، وإن كانت درجته بعيدة ، فإن حق الأم في حضانة ولدها لا يسقط حينئذ إذا رضي زوجها بحضانته ؛ ذلك لأن له حقاً في رعايته ؛ ولأن له من الشفقة عليه ما يحمله على التعاون مع أمه على كفالته ، والاهتمام بشأنه . 

خلو الحاضن من كل عاهة مضرة يخشى على المحضون منها ؛ كالجذام ، والبرص ، ومرض نقص المناعة « الإيدز » .

الـبـرص :

مرض يصيب الجلد ، فيقضي على الأجسام الصباغية في بعض أجزاء البشرة ، حيث تظهر بشكل بقع بيضاء واضحة للعيان مختلفة السعة ، وربما تتسع أكثر فأكثر ، ويزداد عددها حتى تعم مساحات كبيرة من الجسم .

أسـبابـه :

 ليس هناك سبب محدد معروف لهذا المرض ، ولكن المتفق عليه أن الخلايا الحاملة لصبغة الميلانين تفقد هذه الصبغة ، كما تفقد القدرة على تكوينها .

عـلاجـه :

وصف الصينيون علاجاً للبرص الذي يُصيب الإنسان بعد الولادة ، وليس البرص الناتج من الخلقة ، وهي عبارة عن : 

كأس ليمون خالص « لا يُزاد عليه من الماء ولا السكر » ، يُحلّى هذا الكأس بملعقة عسل طبيعي ..... ويأخذ هذا العلاج ثلاث مرات في اليوم .... ويستمر المريض بهذا العلاج إلى أن يكتب الله لهُ الشفاء .

تناول أقراص الميلادينين ثمَّ التعرض لأشعة الشمس .

استعمال مركبات الكورتيزون موضعياً ، وذلك عن طريق الحقن لتوقف الانتشار السريع .

حكـم عـلاج البـرص :

يجوز علاج البرص إن وجد لهُ علاج فقد عن عيسى عليه السلام :

[ سورة آل عمران آية 49 ]

  ولا يعتبر علاجُهُ تغييراً لخلق الله تعالى ؛ لأنه مرض عارض يؤذي صاحبه والناس من حوله .

الـجـذام :

 الجذام : مرض معدٍ تسببه ميكروبات عصوية ، وليست كل أنواع الجذام معدية وهو يصيب أطراف الأعضاء مثل أطراف أعصاب الذراعين ، ويجعل المريض يفقد الإحساس ، فلا يحس بالألم والحرارة والبرودة ، فضلاً عن إصابة المريض بضمور في عضلات اليدين والساقين ، وقروح في الجلد خاصة في القدمين واليدين ، وتتآكل عظامهما ، وتفقد بعض أجزاء منهما كالأصابع ، ويمكن أن يصيب القرنية فيؤثر على الإبصار ، كما أن مرض الجذام يصيب أيضاً الخصيتين ، وهذا يعني أن مريض الجذام يفقد القدرة الجنسية ، وبالتالي لا تكون لهُ ذرية من أولاد .

العوامـل المهيئـة لانتشاره :

سوء التغذية .

السكن غير المناسب .

المستوى المتدني للحياة والتربية .

سوء الحالة الصحية « الصحة العامة » .

طـرق العـدوى :

مباشرة عن طريق ملامسة الأشخاص المصابين .

الحشرات مثل : الصراصير ، البق ، الفراش ، طفيليات الجلد .

مفرزات الأغشية المخاطية المخموجة .

التماس مع الآفات الانتانية المتقرحة .

الـعـلاج :

تمكن العلماء في السنوات الأخيرة من اكتشاف عقاقير فعالة في السيطرة على الجذام ، وقد أوصت منظمة الصحة العالمية باستخدام أكثر من دواء في وقت واحد منعاً لحدوث سلالات مقاومة من الميكروب .

ولا يمكن إغفال أهمية الجانب الاجتماعي في علاج تلك الحالات ، كما لا يمكن إغفال دور التأهيل في الحالات التي أصابتها المضاعفات .

الابتعاد عن المصابين بالجذام على الفور ، كما يبتعد الشخص عن الأسد المفترس ، ولا سيما أن ميكروب الجذام إذا تمكن من الشخص الصحيح افترسه ، ويأتي قوله : فر من المجذوم كما تفر من الأسد [ رواه البخاري ] منذ أكثر من أربعة عشر قرناً ... ليجيء العلم الحديث ويثبت صحة الحديث ، وينصح بالتوجيه النبوي الشريف .

ومن التوجيه النبوي قوله : لا تديموا النظر إلى المجذومين [ رواه البخاري ] ، فقد أثبت علم النفس الحديث أن المجذوم إذا رأى صحيح البدن يديم النظر إليه ، فتعظم مصيبته وتزداد حسرته ، ومن ثم جاء النهي عن النظر إليهم رعاية لمشاعرهم .

  الإيـدز :

 حُمَةُ « فيروس» تغزو الخلايا اللمفاوية بنوعَيْها في جسم الإنسان : التائية والبائية ، جيشَي المناعة العظيمَيْن ، جيش الميمنة الذي يمثّل الخلايا التائية في الدم ، ويتألف من ثلاثة أجناد أُنيطت بكلَّ منها مهمة خاصة .

مـن أعراضـه : 

الحمّى ، وألم المفاصل ، وطفح الجلد ، والتعرق ، والتهاب الحّلْق .

الهزال والإرهاق ، والتناقص في الوزن .

ظهور حبيبات طفيلية .

ارتفاع في درجة الحرارة ، السُعال الجاف .

تقرحات في الجلد .

طـرق العـدوى :

الدم أو المخاط « أي تلامس مع دم أو مخاط شخص مصاب ينقل العدوى » .

الأدوات المستخدمة للحلاقة كالأمواس والمقصات وأي أدوات تستخدم للنظافة الشخصية ولذلك ينصح العلماء بأن يشتري كل شخص لنفسه أدوات خاصة به ولا يستخدم أي أدوات تخص شخصاً آخر سواء في داخل البيت أو خارجه .

ويتنقل الإيدز بكل أنواع الاتصال الجنسي .

لقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن حامل المرض قد لا يشعر بأنه مصاب إلا بعد مرور ثلاثة أشهر منذ ارتكابه آخر فعل محرم وهذا ينقص من فرصة شفائه بالمرض لأنه يكون قد انتشر كلياً.

فالخطر حقيقي ولا يمكن تجاهله فكل يوم يكتشف شباب وشابات ورجال ونساء أنهم مصابون منذ سنين دون أن يدروا، وقد بلغ عدد المصابين بمرض الإيدز في الولايات المتحدة « 252 ألف فردٍ » .

وأسوأ لحظة هي اللحظة التي يقول فيها الطيبب للمريض أنت مصاب بالإيدز . فعلى كل أم وأب وفرد يعيش في المجتمع تقوى الله تعالى وذلك باتباع

[ سورة التحريم آية 6 ]

وقول الرسول : كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته [ رواه البخاري ] .

العقل : فمن شروط الحاضن العقل ، فلا حضانة لمجنون ، أو مجنونة ، ولو كان جنوناً متقطعاً ؛ لأن الحضانة ولاية ، وليس المجنون من أهل الولاية ، إذ لا يأتي منه الحفظ والرعاية ، بل هو نفسه محتاج إلى الرعاية والحفظ .

متـطلبـات الحـضانـة

تتطلب الحضانة : الدراية ، والحكمة ، واليقظة ، والانتباه ، والصبر، والخلق الجمّ، والقصد الحسن .

وعلى الحاضن : أن يتجنب السب واللعن والدعاء على الطفل ، لأن هذا يتنافى مع التربية السوية ويخالفها ، وعليه أن يحسن تربية المحضون ، وأن يقدم له ما فيه مصلحته في دينه وخلقه وبدنه.

مـا يترتّـب علـى فقـدان شـرط مـن شـروط الحضانـة

إذا فقد شرط من شروط الحضانة ، سقط حق الحاضنة ، وانتقل هذا الحق إلى من يليها ، من جدة ، ثم أخت ، ثم خالة ، وهكذا .

كيفيّـة التّأكّـد مـن فـوات شـرط مـن شـروط الحضانـة

يعتمد في التأكد من فوات شرط من شروط الحضانة على واحد من الأمور الثلاثة التالية :

الأمر الأول : إقرار الحاضنة :

فإذا أقرت الأم بأنها متزوجة ، أو أنها تعاني من مرض عضال دائم العلة ، سقط حقها في الحضانة .

الأمر الثاني : دعوى المعارض : 

إذا ادعى المعارض في الحضانة أن الحاضنة فقدت شرطاً من شروط الحضانة ، وكانت دعواه تلك مصحوبة بالبينات المعتمدة ، فإن حقها في الحضانة يسقط عندئذ .

الأمر الثالث : تحقيق القاضي :

تحقيق القاضي ، أو الحاكم ، وذلك عندما يرتاب ويشك في توفر الشروط عند الحاضنة ، فإذا ثبت لديه بموجب تحرياته فقدان شرط من شروط الحضانة ، فإنه يسقط حق الحاضنة عندئذ في الحضانة .

مـا يُسْقِـطُ حـق الحاضـن

وتبقى تلك الأمور في الأحوال الطبيعية ، ويقدّر الإسلام لكل ظرف قدره ، فمن هذه الظروف :

زواج الأم : إذ لا تعود الأم قادرة على التفرغ لتربية ولدها، وقد يلقى الطفل الإهانة ، وقلة العناية والإهمال من زوج أمه ، فأبوه عندئذ أحق من أمه بحضانته وإن كان دون السابعة.

يؤكد ذلك إجابة رسول الله للمرأة التي طالبت بابنها بعد أن طلقها زوجها فقال : أنت أحق به ما لم تنكحي أي ما لم تتزوجي [ رواه الإمام أحمد وأبو داود ] . فإذا تزوجت فإن حق الحضانة يسقط ولا تعد تستحقه.

العته « وهو قلة الإدراك للأمور » ، والجنون « وهو غياب العقل وذهابه » : وهذا واضح إذ المعتوه أو المجنون غير قادر على رعاية نفسه، فمن باب أولى عجزه وعدم قدرته عن رعاية غيره.

الفسق « وهو ارتكاب المعاصي » : وهنا نرى الإسلام لا يعير للعاطفة التفاتاً إذا كانت ستؤدي إلى انحراف سلوك الطفل ، فتنتزع الحضانة من الفاسق.

الكفر أو الردة « وهي الرجوع عن الإسلام بقول أو فعل » : وكذلك سلامة عقيدة الطفل ودينه أهم من سلامة عواطفه ومراعاتها ، فلا ولاية لكافر على مسلم، ويولد الطفل على الفطرة ، قال  : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه  [ رواه البخاري وأبو داود ] يهوّدانه : يجعلانه يهوديّاً . يمجّسانه : يجعلانه مجوسيّاً . ينصّرانه : يجعلانه نصرانيّاً .

 

زمـن الحضانـة

الحضانة مستمرة في حق الصغير :

حتى يبلغ ، والبلوغ : هو وصول الإنسان إلى سن التكليف ، والبلوغ للذكر الاحتلام وظهور الشعر في أماكن معينة واغلظاظ الصوت ، والبلوغ للمرأة بالحيض .

فإن تأخرت هذه العلامات الظاهرة حكم ببلوغه بسن خمسة عشر .

وحتّى يرشد ، والرشد : هو حسن التصرف .

لقوله تعالى عن اليتيم : 

[ سورة النساء آية 6 ] 

العقل : تستمر حضانة المعتوه ونحوه حتّى يعقل .

تخييـر المحضـون

وبعد أن يرتشف ويرضع الطفل من أمه الحنان الذي يغذيه ، والعواطف التي تنميه ، ويحيا في البيئة التي تلبي أشواقه وفطرته ، يصل إلى السن التي يكون قادرا فيها على التمييز - سن سبع سنوات ويصبح بحاجة لمخالطة المجتمع خارج بيته ، عندئذ يتجه الإسلام إلى الطفل ويكرم عواطفه ويقبل تمييزه .

فإذا بلغ الغلام سبع سنين خُيَّر بين أبويه، فكان مع من اختار منهما؛ لما رواه أبو هريرة أن النبي خير غلاماً بين أبيه وأمه قائلا: يا غلام؛ هـذا أبوك، وهـذه أمك، فـخـذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به [ رواه أبو داود والترمذي ] . فإن اختار الصغير « الذكر » أباه كان عنده ليلاً ونهاراً ، ولا يمنع من زيارة أمه ، وإن اختار أمه كان عندها ليلاً ، وعند أبيه نهاراً ليعلمه ويؤدبه ، ولا يترك عند من لا يصونه ويحفظه ويصلحه ، لفوات المقصود من الحضانة ، فإذا بلغ الغلام ورشد كان حيث شاء ؛ لقدرته على إصلاح أموره ، فلم يبق عليه ولاية لأحد وسلطة ، إلا إن خيف عليه من الفتنة والفساد النفسي والاجتماعي والمالي ... إلخ ، فيبقى عند أحد والديه .

وإذا بلغت البنت الصغيرة سبع سنين بقيت عند أبيها دون أمها ؛ لأنها بحاجة إلى ستر وعفاف وصون، والأب أقدر على ذلك من الأم، فإن كانت الأم أحفظ لها كانت عندها .

وكل من الفتى والفتاة بعد السبع محتاج إلى التربية والتأديب والتعليم ووجودهما في حضانة أبيهما أبلغ في تحقيق ذلك.

وأما التقيد بسبع سنين؛ لأن الإسلام يعتبر هذه السن سن التمييز ، فيأمر الأب بحث ابنه على الصلاة فيها ، قال : مروهم بالصلاة أبناء سبع واضربوهم عليها أبناء عشر [ رواه الدارقطني ]

الخلاصـة

وهكذا نرى الإسلام قد وازن في موضوع الحضانة بين ثلاثة جوانب رئيسة :

جانب المحضون « وهو الولد » : وذلك بمراعاة حاجاته الفطرية أولاً ، ثم اختياره ثانياً.

جانب الحاضن « الأب والأم » : وقدرته على الحضانة والرعاية سواءٌ كانت القدرة مادية من طعام وشراب ولباس ، أو معنوية وهو جانب التربية وتنمية الأخلاق. 

جانب العقيدة والسلوك : وهو الذي لا يضحى به لصالح أي عاطفة مهما كانت سامية، إنها الشريعة الخالدة، التي كانت وسطاً في كل شيء ، لا تفريط ، ولا تقصير فيها ، ولا إفراط ولا زيادة .

[ سورة الروم آية 30 ]