أكـل المـضـطّـر

 

تعريفه 

المراد بالمضطر: من ألجأته الضرورة وأجبرته إِلى تناول الطّعام ، أو الشراب المحرّم .

ضابط الضرورة في باب الأطعمة 

ضابط الضرورة في باب الأطعمة هو أن يبلغ الجوع أو العطش بالشخص إلى حد أنه إِن لم يتناول المحرّم منها هلك أو قارب على الهلاك .

حكمـه 

حكم أكل المضطّر لمحرّم من الطّعام أو من الشراب ما يلي :

يباح للمضطر أن يتناول المحرّم من الأطعمة إذا خشي الضرر بعدم الأكل ، فإن أيقن بالهلاك وجب عليه الأكل ، فإن امتنع ومات أثم ؛ لتسببه في قتل نفسه .

دليله :

ويدل على إباحة ذلك أدلة كثيرة منها :

 [ سورة البقرة آية 173 ]

 [ سورة الأنعام آية 119 ]

دلت هاتان الآيتان وغيرهما على إباحة أكل المضطر من المحرمات حفاظاً على النفس من الهلاك ، بشرطين : 

الأول : ألا يأكل أكثر من حاجته التي اضطرّ إليها لدفع الهلاك عن نفسه .

 [ سورة البقرة آية 173 ]

الثاني : ألا يجد غير هذا المحرم مما يدفع جوعه .

الحكمة من إباحة المحرم عند الضرورة 

حفاظاً على النفس ؛ لأن قتل النفس أعظم من أكل المحرّم من الأطعمة .

رفع الضرر عن المكلفين ؛ لأن الضرر مرفوع في الإسلام ، فلا ضرر ولا ضرار ، ولهذا جاءت القاعدة الشـرعية : « الضرورات تبيح المحظورات » .

مقدار ما يباح للمضطر من الطعام المحرّم 

هناك حالتان :

الأولى : أن تكون المجاعة - نقص الطعام والشراب وانعدامه - عامة مستمرة .

وفي هذه الحالة :

 يباح للمضطر الأكل حتى الشبع من الطعام المحرم كالميتة وغيرها ؛ لأن الضرورة لا يرجى زوالها وانتهاؤها .

الثانية : أن تكون المجاعة خاصة ، أي في حالة معينة مرَّت بشخص يرجو زوالها بوجود طعام مباح .

وفي هذه الحالة :

يباح له مقدار ما يسد الرمق أي ما يدفع الجوع الشديد ، ولا يأكل حتى يشبع؛ لأن الضرورة تندفع بذلك ، والضرورة تقدر بقدرها ، ولأنه يمكن أن يجد طعاماً مباحاً يشبع به.

أمثـلة على الاضطرار 

المجاعة الشديدة التي يترتب عليها الهلاك إِن لم يتناول المحرم فيجوز حينئذ الأكل من الميتة ، أو من غير المذكاة ، أو من لحوم السباع ، أو الطيور المفترسة ، أو لحم الخنزير ما يسد رمقه .

إِذا غصّ بلقمة - أي وقفت اللقمة في حلقه - ولا يجد ما يدفع به الغصة إِلا ماء نجساً أو نحوه ، فإِنه يباح له مقدار ما يدفع به الغصة فقط.

الاضطرار إلى طعام الآخرين 

طعام الآخرين محرم على الشخص إلا بإِذن منهم ، فإِذا كان هناك شخصٌ مضطر للطعام ، ولم يجد ما يأكله إلا طعاماً لغيره ، غير مأذون له فيه ، لأنّه لا يملكه ، فإنه يجوز له أن يأكل منه قدر ما يسد جوعه بشرط ألا يكون صاحب الطعام مضطراً إِليه ؛ لأن صاحبه مقدم على غيره في حال الضرورة .

ويجب على المضطر تعويض صاحب الطعام متى تيسر له ذلك ، ويجب على مالك الطعام غير المضطر إِليه أن يطعم المضطر ؛ إِنقاذاً لحياته . 

حكم الأخذ من ثمار البساتين 

الأصل أن مال الآخرين لا يحل إلا بإذن منهم ؛

[ سورة النساء آية 29 ]

ولقوله : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه [ رواه الدارقطني ] .

اسـتثناء 

إلا أنه جاء استثناء المارّ بثمر فله الأكل منه بالشروط التالية :

 الأول : أن يكون البستان لا حائط عليه ، ولا حارس عنده .

 الثاني : أن يكون الثمر على الشجر ، أو متساقطاً منه وليس مجموعاً .

 الثالث : ألا يحتاج إلى صعود الشجر ، بل يتناوله من غير صعود .

 الرابع : ألا يحمل معه شيئاً ، بل يأكل منه فقط .

وفي حديث عبد الله بن عمر  أن النبي سُئل عن الثمر المعلق فقال : ما أصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه [ رواه الترمذي ] . خبنة : أي بقصد الأخذ لا بقصد الأكل .

طعام غيـر المسلمين 

الطعام المستورد من الكفار على عدة أنواع هي :

النوع الأول : أن يكون غير حيواني ، بأن كان نباتياً ، أو مصنعاً من مصدر نباتي .

الحكم في هذه الحالة :

يباح هذا الطعام سواء أكان الكفار أهل كتاب - يهود ونصارى - أم لم يكونوا أهل كتاب .

النوع الثاني : أن يكون الطعام من حيوانات البحر كالأسماك أو مصنعاً منها .

الحكم في هذه الحالة :

أنه مباح ؛ لأن حيوان البحر لا يحتاج إلى تذكية ، لقوله في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته [ رواه الترمذي ] . وميتة البحر : هو السمك وهو لا يحتاج إلى تذكية .

النوع الثالث : أن يكون الطعام من لحوم الحيوانات البرية ، كالأغنام ، والأبقار ، والدجاج ونحوها ، أو مصنعاً من هذه اللحوم ، مثل « السجق والبرغر » ، أو قد دخلت هذه اللحوم في أطعمة أخرى ، كالمرقات المختلفة وغيرها .

الحكم في هذه الحالة :

يختلف باختلاف مصدر هذه اللحوم ، وبيان ذلك في الحالات التالية :

 الحالة الأولى : أن يكون مصدر هذه اللحوم من بلادٍ كُفارُها ليسوا أهل كتاب - يهود أو نصارى - كالوثنيين والشيوعيين والملحدين وغيرهم .

  

[ سورة المائدة آية 5 ]

والوثنيين والملحدين ليسوا منهم ، فتحرم ذبائحهم ويحرم طعامهم .

حكمه في هذه الحالة : إِن هذه اللحوم تعتبر محرمة ؛ لأن ذبائح هؤلاء الكفار لا تحل للمسلمين ، سواء أذكوها كما يذكيها المسلمون أم لم يذكوها .

الحالة الثانية : أن يكون مصدر هذه اللحوم من بلادٍ كُفارُها أهل كتاب «يهود أو نصارى » .

حكمه في هذه الحالة على النحو التالي :

إِن علمنا أن تذكيتهم ليست كتذكية المسلمين ، وإِنما هي بالصعق الكهربائي ، أو بالخنق ، أو بالضرب بالمطرقة على الرأس أو غير ذلك « أي بدون إراقة الدماء والذبح المعروف » ، فإِنها لا تحل ؛ لأنّ الذبيحة الحلال ما أنهر فيها الدّم وذكر اسم الله عليه .

إِن علمنا أن تذكيتهم كتذكية المسلمين، فتباح ذبائحهم ،

  

[ سورة المائدة آية 5 ]

وعلى المسلم الاحتياط فيما يشك فيه .